بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم
قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد:
(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) سورة إبراهيم ,37
الآية الكريمة لا تنحصر في بيان فلسفة الحج , بل تنطلق لأكثر من هذا في دائرة أوسع وهي دائرة فلسفة الحياة, بل لدائرة أكثر سعة وهي دائرة فلسفة القرب الإلهي.
حيث نلاحظ في الآية الكريمة نتيجة مترتبة على مقدمات وهي قوله تعالى (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ )
- فلسفة الحج وما ينطلق منها من فلسفة حياتية وإلهية:
1-ثمرات اجتماعية :
( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) عندما تهوى الأفئدة إلى ذلك المكان تهوي إلى كل متعلقاته ومن يسكنه ولذلك فإن من آثار الحج الالتقاء الأخوي , وتبادل منافع معرفية وروحية ومادية بين أمة بكاملها ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ) بل من آثاره التقاء القلوب وتألفها في منظومة عجيبة فقد يحصل الفرد على صديق الروح الذي انتظره العمر كله ويكون مهوى روحه وقلبه وان اختلفت الجنسية واللغة .
2-ثمرات إلهية :
(وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ) وهذه الثمرات لا تنحصر في الماديات وسنصنفها إلى ثمرات:
– في الجسد : قال علي بن الحسين عليه السلام: ( حجوا واعتمروا تصح أبدانكم)
– والمال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر).
وما ورد في الحديث المذكور عن علي بن الحسين عليه السلام: ( حجوا واعتمروا تصح أبدانكم وتتسع أرزاقكم وتكفون موؤنات عيالكم)
– والعقل: بما يحصل عليه الإنسان من معارف متنوعة تلبية لنداء الرسول “ص” : ( حجوا البيت بكمال الدين والتفقه)
وقال أبوعبدالله “ع” : ( أني أحب أن أشهد المنافع التي قال الله تبارك وتعالى (ليشهدوا منافع لهم) إنه لا يشهدها أحد إلا نفعه الله).
– والروح : حيث أن الحج من مواطن عروج الروح الزمانية والمكانية والتي يجب ان يلتفت إليها الإنسان ويستثمرها, ففي المستدرك:( ما من أيام أحب إلى الله من عشر ذي الحجة ولا ليالي أفضل منها)
وعن رسول الله “ص”: ( وإذا وقفت عشية عرفة فإن الله يهبط برحمته إلى السماء الدنيا حتى تظل على أهل مكة… فيقول هؤلاء عبادي جاؤوني شعثا يرجون رحمتي… ثم يقول أفيضوا مغفوراً لكم)
– من الثمرات الإلهية والتي تلفت النظر- ان الحاج يحصل على مرتبة وجودية متميزة عن المرتبة الوجودية السابقة فكما ان المعصوم له مرتبة وجودية , وكذلك العلماء من الناس فكذلك الحاج تحصل له مرتبة عبرت عنها الروايات بالاستكانة والاستسلام والخلوص ( ولكن الله أراد ان يكون الإتباع لرسله, والتصديق بكتبه, والخشوع لوجهه , والاستكانة لأمره, والاستسلام لطاعته أموراَ له خاصة لا تشوبها من غيرها شائبة )
- كيف يصل الحاج لهذه المرتبة ويحصل على هذه الثمرات؟
الحاج يصل لهذه المرتبة بعد مروره بمراحل ومقدمات.
المقدمة الأولى :
– وعورة الطريق (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ)
– المشقة التي يحصل عليها الإنسان في طريقه للحج أو في أداء المناسك سواء كانت المشقة بدنية أم نفسية إنما هي مقدمة لازمة للوصول لهذا الهدف أي ( تؤهل الحاج لقطع الطريق وبلوغ الهدف).
ووعورة الطريق ما هي إلا رمز لما يلاقيه الإنسان من عثرات في طريقه الذي يسلكه إلى الله (ثم وضعه بأوعر بقاع الأرض حجراً وأقل نتائق الدنيا مدراً وأضيق بطون الأودية معاشا, وأغلظ محال المسلمين مياهاً, بين جبال خشنة ثم أمر آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه …ابتلاءً عظيماً، واختباراً كبيراً… جعله الله سبباً لرحمته، ووصلة ووسيلة إلى جنّته).
المقدمة الثانية:
– الامتحان والاختبار بالعبادة ( ربنا ليقيموا الصلاة), ( ألا ترون أن الله جل ثناؤه اختبر الأولين من لدن آدم إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر, ولا تنفع , ولا تبصر, ولا تسمع فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياما ثم وضعه بأوعر بقاع الأرض…..إلى أن تقول الرواية – ثم أمر آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه فصار مثابة لمنتجع أسفارهم وغاية لملقى رحالهم حتى يهزُّوا مناكبهم ذُللاً يهلّلون لله حوله، ويَرمَلون على أقدامهم شُعثاً غُبْراً له. قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم، وشوّهوا بإعفاء الشعور محاسن خَلقِهم، ابتلاءً عظيماً، واختباراً كبيراً، وامتحاناً شديداُ وتمحيصاً بليغاً).
- لماذا هذه المشقة ولماذا هذا الإبتلاء؟
تجيبنا الروايات ( ولو أراد الله جل ثناؤه بأنبيائه…أن يفتح لهم كنوز الذهبان, ومعادن العقيان, ومغارس الجنان…لفعل, ولو فعل لسقط البلاء وبطل الجزاء, ولا لحق المؤمنين ثواب المحسنين…ثم تقول الرواية- لكان أهون على الخلق في الاختبار وأبعد لهم في الاستكبار ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم أو رغبة مائلة بهم فكانت النيات مشتركة والحسنات مقتسمة )
إذن هذه المقدمات للتمحيص والتمييز وبيان المراتب ورفع الدرجات وهذه ثمرة لنا ومنفعة من الحج نستثمرها في حياتنا وانشطتنا اليومية ونلخصها في قاعدة ذهبية :
( لا صعود ولا مرتبة لائقة بهذا الوجود- سواء في العلم والعمل- إلا بالصبر على وعورة الطريق والاستعانة بالتقرب لله سبحانه بوجوه القربات)
والحمد لله رب العالمين
كلمة الفاضلة السيدة أم أحمد آل سيف
حاجّات بيت الله الحرام بقافلة الانصار – 1435 هـ
الكلمه رائعه ؛ تثلج القلب بما يحصل عليه الحاج من ضمان الهي ودرجات قرب ؛ هنيئا لمن كتب من وفد الحاج
أتمنى أن تصل كل المحاضرات علی البريد الالكتروني
أن شاء الله ارجو ارسال الايميل
مقال رائع
نرجو المزيد من كلام السيدة حفظها الله ورعاها
اذا ممكن اريد توضيح اكثر من السيدة للاية واجعل افئدة من الناس تهوي
ماذا يريد النبي من هذا الطلب وهل المقصود بهم اهله ام اوسع من ذلك
رفعنا سؤالك عزيزتي للاستاذة وسيتم ارسال الرد على ايميلكِ
ﻻحرمنا الله فيضك استاذتي الفاضله ووفقت لكل خير