بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين
ذكرت روايات عاشوراء أن حبيب بن مظاهر (ع) خرج يضحك، فقال له يزيد بن الحصين الهمداني ما هذه ساعة ضحك قال حبيب (وأي موضع أحق بالسرور من هذا؟ ما هو الا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم فنعانق الحور العين)[1]
بهذه الكلمات القليلة اختزل حبيب (ع) كثيرا من أسرار الشهادة والشهداء ونذكر بعضا من حقائقها كما كشفها حبيب (ع)
- السر الأول:
يضع لنا إحدى الكليات وهي: (أن كل مقام فهو دون الشهداء) إلا ما استثنته النصوص الإسلامية من مقام العلماء ويعبر حبيب (ع) عن هذه القاعدة بقوله (وأي موضع أحق بالسرور من هذا)
ما هو هذا الموضع الذي هو أحق بالسرور من كل موضع؟
فيجيب: إنه موضع الشهادة (ما هو إلا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم)
- السر الآخر:
أن الشهيد يعيش حالة رفيعة وهي (حالة الإستشراف) – استشراف لعالم الغيب من عالم الشهادة حالة مجهولة الكنه لدينا وذلك في لحظاته الأخيرة لحظات العروج والانطلاق للشهادة.
- وسر ثالث أيضا:
تظهر على الشهيد حالة من الفرح والسرور والبشرى وانشراح القلب وقد عبر برير بن خضير عن الحالتين الأخيرتين عندما هازل عبد الرحمن الأنصاري فقال له عبد الرحمن: ما هذه ساعة باطل
فقال برير: لقد علم قومي ما أحببت الباطل كهلا ولا شابا ولكني مستبشر بما نحن لاقون)[2]
وتذكر عنهم الروايات (فكأنهم شطوا من عقال)
تجري الطلاقة في بهاء وجوههم أنْ قـطبت فـرقاً وجوه كماتها
فتدافعت مشي النزيف إلى الردى حتّى كـأنَّ الموت من نشواتها[3]
حالة الشهيد بعد الشهادة:
من الجميل أن يذكر القرآن الكريم حالة مشابهة للشهيد بعد الشهادة
أولا: أنه يعيش حالة استشراف ولكن من عالم الغيب لعالم الشهادة (عالم المادة)
قال تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)[4] حالة متبادلة بين الشهيد السابق واللاحق.
ثانيا: حالة الفرح والبشرى (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ)، (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم)،
(يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ)
نلاحظ في الآيات:
¡ تكرار الاستبشار (للدلالة على أنه شامل لهم وللاحقين بهم)[5]
وتشير الآيات بوضوح إلى معايشة الشهيد ونظره بعد الشهادة لعالم الشهود فيعلم باللاحقين بركب الشهادة.
ثالثا: حالات من النعيم أخرى يعيشها الشهيد لم يكشف سرها عبّر عنها القرآن الكريم (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ) جاءت في الآية بصيغة نكرة ليذهب ذهن السامع فيها كل مذهب[6]
حقيقة الشهادة:
من الاستشراف المتبادل بين الشهداء السابقين والشهداء اللاحقين بين عالم الغيب وعالم الشهادة ننتقل إلى حالة الاستشراف الكبرى للشهداء وحقيقتها أن الشهيد – بمعنى المقتول في سبيل الله – مصطلح مستحدث في العرف الإسلامي (مصطلح منقول)
أما معناه الأول – المنقول عنه-فهو الشهادة على أعمال الأمم حيث يتحمل الشهيد هذه الشهادة في الدنيا ويؤديها في الآخرة فيشهد على أعمال أمته-سعادتها وشقائها طاعتها ومعصيتها-ويتعدد الشهداء ويكون الرسول صلى الله عليه وآله عليهم شهيدا.
(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا)[7] وقد ذكر بعضهم أن الشهيد – المقتول في سبيل الله – سمي بذلك لأن له هذا المقام وأورد آخرون إشكالا حول ذلك.
إشكال:
من شروط شهادة الشهيد على الأعمال الحضور (تحقق الحياة ذي الشعور) وهذا ما يدعم عقيدتنا في وجود صاحب العصر والزمان (عج) حيث أنه شاهد على هذه الأمة لأنه امتداد للرسول (ص) وخليفته فيحقق شهادة الرسول (ص) على أمته.
هذا رأي، والرأي الآخر لأنه معصوم هذه الأمة فهو شاهدها وشهيدها، والشهادة تستدعي الحضور اذن فهو حاضر موجود
فهل أن هذا الشرط محقق بالنسبة للشهداء؟
وكيف تحققت هذه المرتبة من الشهيد؟
الجواب: أما تحقق المرتبة فهو اصطفاء من الله سبق الشهادة، وعلى إثر الاصطفاء ارتقى الشهيد لمرتبة الشهادة-طبعا مع العلم بتفاوت المراتب وحفظ مرتبة المعصوم في أعلاها-قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ*وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم هُوَ سَمَاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شهداء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)[8]
- وأما تحقق الحضور فالقرآن يجيبنا (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء) ولكن نحن لا ندرك كنه هذه الحياة وهذا الحضور لذلك يقول (ولكن لا تشعرون)
- هي حياة تلونت بلون الحسين واكتسبت نورانية أنصار الحسين عليه السلام كأني بالحسين يستقبل شهداءنا ويمسح على رؤوسهم ويعرفهم منازلهم في الجنة قائلا (أبشروا بالجنة…أبشروا بالجنة) فيقول الشهداء (الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك، وشرفنا بالقتل معك) فيجيبهم الحسين (ع): (جزاكم الله عني خيرا .. جزاكم الله عني خيرا)
السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مقتل الامام الحسين (ع)/ السيد عبد الرزاق المقرم ص216 نقلا عن رجال الكشي ص53 طبع الهند
[2] المصدر السابق نقلا عن تاريخ الطبري ج1 ص 241
[3] العلامة السيد محمد حسين الكيثوان
[4] آل عمران 169، 170، 171
[5] الميزان/العلامة الطباطبائي (بتصرف)
[6] الميزان/العلامة الطباطبائي (بتصرف)
[7] النساء 41
[8] سورة الحج 77، 78
0 تعليق