ألقيت في مأتم سيد الشهداء بالقطيف ولجنة الامام المنتظر بأم الحمام -1436 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)
كثرت الأقوال في تفسير معنى الكوثر حتى وصلت إلى 26 قولاً أبرزها ما استند فيه إلى الروايات وهما قولان:
- الكوثر هو نهر في الجنة
- الكوثر معناه الخير الكثير
وقد جاء في روايات أهل البيت (ع) على أن الخير الكثير هو ذرية النبي (ص) وعلى ذلك قرائن:
- قرينة داخلية نصية في ذيل السورة وهي قوله تعالى (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) ولو لم يكن المراد ذرية الرسول (ص) لكانت العبارة لا فائدة من وجودها
وقد استفاضت الروايات أن السورة نزلت فيمن عابه بالبتر وهو العاص بن وائل بعد وفاة ابنه القاسم فقد كانت قريش إذا مات ذكور الرجل تقول بتر فلان.
- قرينة خارجية (من خارج النص) وهو الواقع الخارجي الذي يشير إلى بقاء ذرية النبي (ص) وكثرتها، وتلاشي بقية الذراري.
الخير الكثير هو فاطمة سلام الله عليها
لقد استند هذا القول إلى القول السابق وترتب عليه مستدلا على أن فاطمة سلام الله عليها هي الخير الكثير حيث رتب دليلا منطقيا من مقدمات ونتيجة
- الخير الكثير المراد به الذرية المحمدية للأدلة السابقة
- وانحصرت الذرية في فاطمة “س” حيث كانت ذريته في حياته (ص) متمثلة في فاطمة وسلالته بعد حياته امتدت من خلال فاطمة “س”
النتيجة: الخير الكثير هو فاطمة “س”
التفاسير الأخرى ايضا تخدم هذا التفسير
فقولهم ان معنى الكوثر: نهر في الجنة فأنهار الجنة ذكرت في آية واحدة (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ …الآية) محمد:15
ولم يذكر نهر الكوثر فيما بينها فإما أنه حقيقة أخرى غير الأنهار، وإما أنه نهر متميز لذلك أفرد له سورة كاملة فإن كان الثاني فلارتباطه بالذرية وهذا دليل على تميز ذريته (ص)، وإن كان الاول فالحقيقة هي فاطمة “س” وكلا الاحتمالين يوصلنا إلى المطلوب وهذا مما اختص الله به فاطمة.
- ومن أسرار فاطمة سلام الله عليها:
أن الكم الهائل من النصوص التي وردت في فاطمة “س” بألسنتها المتعددة ومفاهيمها المتنوعة نلحظ فيها-عند النظر إلى مجموعها مجملة-أمرين:
- انها ناظرة إلى رؤى أرضية من حضارات سابقة متنوعة حول المرأة وأن هذه النصوص الصادرة من فم سيد المرسلين تهدف إلى رفد العملية التغييرية والتي تصدت لطرح رؤية إنسانية متكاملة حول المرأة مقابل الأطروحات السابقة وهذا أمر ملحوظ وواضح جدا لمن يقرأ القرآن والسنة، ففي سورة النور وحدها نقرأ حقوقا كثيرة مطروحة للمرأة منها (حق العفة، الحجاب، الاحترام، التقديس، التربية الالهية، الحماية والدفاع عن عرضها…الخ)
- لا يخفى أن هذه العملية التغييرية، والثورة الكبيرة لا يمكن الاقتصار فيها على البعد النظري فلن يكون كافيا لتحقيق المطلوب بل لابد من وجود صورة جوهرية تتمثل فيها الرؤية الاسلامية في بعدها العملي من خلال إيجاد انموذج كامل على أرض الواقع الخارجي يكشف عن تلك الرؤية في كل ابعادها وحيثياتها فكانت هي الزهراء “س”.
عالم السر:
- التكامل الوجودي
لقد عاشت الزهراء “س” رحلة العشق الملكوتي نحو الله بكل ابعادها ويكفي في ظهور تكاملها الوجودي-كما ذكر بعضهم-حصر استمرار الوجود المبارك للرسول العظيم (ص) فيها بل يكفي المرأة-عموما-شرفا وفخرا أن استمرار الوجود الشريف من خلال أنثى.
- التكامل العبادي
يكفينا ما ورد عن الامام الحسن(ع) في حقها:(رأيت أمي فاطمة “س” في محرابها ليلة جمعتها فلم نزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتكثر من الدعاء لهم وتسميهم بأسمائهم ولا تدعو لنفسها بشيء فقلت لها يا أماه لم لا تدعين لنفسك فقالت يا بني الجار ثم الدار) وفي هذا دلالة واسعة على أن الزهراء (ع) تهدف إلى بيان أطروحة الاسلام المتكاملة في العبادة والتي تعطي أن العبادة دائرتها أوسع من الطقوس والحركات بل يشمل السلوكيات ومن مصاديقها الإحسان للآخرين وأهمهم الجار)[1]
- التكامل الجهادي
المرتبة العالية التي حازتها فاطمة (ع) في الجهاد ما لم تنله امرأة أخرى وقد تمثلت أولا في دفاعها عن إمام زمانها ووليها علي بن أبي طالب عليه السلام وثم في محاولتها إرجاع منصب الخلافة الإلهية إلى مركزه الحقيقي وكذلك ترسيخ مبدأ الولاية.
- التكامل العلمي
نستفيد ذلك من كلمة للزهراء سلام الله عليها ضمن خطبتها في المسجد الشريف (واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له)
الشهادة هي الشهود، والشهود هو المعاينة ولا تكون الشهادة إلا عن علم.
والعلم حضور مجرد للمعلوم عند العالم وكل شهود وحضور يكون حسب سعة الموجود وسعة النفس.
وما تتكلم عنه فاطمة “س” هي مرتبة عالية من مراتب الشهادة حيث أنها صدرت من فاطمة فهي مشاهدة النفس للحق مشاهدة البصيرة للعالم الربوبي، مشاهدة الوجود المحض. هذا الشهود والحضور الفاطمي هو شهود الصديقين الذين رأوا الوجوب قبل الإمكان وعالم الفعلية قبل عالم السؤال والفقر
– كيف تحصل هذه المرتبة من الشهادة؟ ولمن؟
تجيبنا فاطمة “س” بعبارة جامعة (كلمة جعل الاخلاص تأويلها) فلا شهود إلا بعد نفي الأضداد ونفي الآلهة المتعددة من جمال زائل وسراب خادع من أغراض فاسدة، ودنيا مخادعة، ورياء، وسمعة ولا شهود إلا للأحرار الذين قطعوا كل قيود الشرك ونزعوا أغلال الوثنية وقاموا بتخليص العمل من كل شائبة بعدها يصلون إلى المرحلة التي لا يرون فيها إلا الله في هذا الوجود.
– النفس في مرتبة التوحيد
حيث تكون نفس المؤمن في هذه المرتبة هي الكلمة الوجودية الحاكية عن كلمة لا إله إلا الله في مرتبتها العقلية وعندما تحكي فاطمة هذه الشهادة وهذه الكلمة هذا يعني أن فاطمة تعيش الحضور بأعلى مراتبه وهذا يعني أن فاطمة عين الخلوص والفطرة ونقاء البصيرة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] وقال عنها (ص):” ابنتي فاطمة ملأ الله قلبها وجوارحها إيمانا إلى مشاشها) مما يعني أن حياتها كلها محراب، وسجود دائم.
0 تعليق